النووي
712
تهذيب الأسماء واللغات
قولهم في باب غسل الجنابة ، وغسل الميت : وجب عليه وضوء وغسل ، ويجب الغسل من خروج المنيّ وشبهه ، هذا كله يجوز بضم الغين وفتحها ، لغتان فصيحتان ، والفتح أشهرهما ، وقد غلط بعض الفقهاء في [ تغليط ] ضمهم إياه وجهل ، ولم يطّلع على اللغة الأخرى . وقد جمع شيخنا جمال الدين ابن مالك ، إمام أهل الأدب في وقته بلا مدافعة رضي اللّه تعالى عنه ، في « المثلث » بين اللغتين غير مرجّح إحداهما ، مع شدة معرفته وتحقيقه وتمكنه واطلاعه وتدقيقه ، ثم سألته عنه أيضا ، فقال : إذا أريد به الاغتسال فالمختار ضمه ، ويجوز فتحه ، كقولنا : غسل الجنابة ، أي : اغتسالها ، ومن فتحه أراد : غسل يديه غسلا . قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى ، فكأنما قرّب بدنة » « 1 » ، قال جمهور العلماء من المحدثين وأصحاب غريب الحديث وأصحابنا في كتب الفقه وغيرهم : المراد غسلا كغسل الجنابة في الصفة ، فيتوضأ له ، ويستقصي في إيصال الماء إلى المعاطف التي في البدن ، وإلى الشعور كلها ، ويدلك ما يقدر عليه من بدنه ، ولا يتساهل بترك شيء من سننه ، ليكون هذا الغسل سنّة . وحكى جماعة من أصحابنا في كتب الفقه : المراد غسل الجنابة حقيقة ، قالوا : فيستحب لمن له زوجة أو مملوكة يستبيح وطئها أن يجامعها ، ويغتسل للجنابة منها يوم الجمعة ، وهذا كما قال صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث الآخر : « من غسّل واغتسل » « 2 » على تفسير من فسره أنه يجامع ، والحكمة فيه أنه تسكن نفسه ، وتذهب أو تفتر شهوته ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من غسّل » . واعلم أن حقيقة الغسل في الجنابة ، وغسل أعضاء الوضوء ، وجميع الاغتسال : هو جريان الماء على العضو ، فلا بد من جريانه ، فإن أمسّه الماء ولم يجر ، لم يجزه بلا خلاف ، نصّ عليه الشافعي رحمه اللّه تعالى ، وقد أوضحته في مواضع من « شرح المهذب » ، وإذا جرى كفاه ، ولا يشترط الدلك أو إمرار اليد على العضو ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور . وقال مالك والمزني : يشترط إمرار اليد ، وقد ذكرت المسألة بدلائلها في مواضع من « شرح المهذب » ، وأوضحتها في باب صفة الغسل ، ولو أفاض الماء على العضو فجرى ، لكن لم يثبت عليه ، لكونه كان على العضو أثر دهن ذائب ، أجزأه ، فإن الشرط جريان الماء لا ثبوته . قال أصحابنا في مسألة اشتراط الماء لإزالة النجاسة : لا يعرف الغسل في اللغة إلا بالماء ، ولم تطلقه العرب على غير الماء . غصب : الغصب في اللغة : أخذ الشيء ظلما ، قاله الجوهري وصاحب « المحكم » وغيرهما . قال الجوهري : تقول منه : غصبه منه ، وغصبه عليه ، بمعنى ، والاغتصاب مثله ، والشيء غصب ومغصوب . قال صاحب « المحكم » : غصب الشيء يغصبه واغتصبه : أخذه ظلما ، وغصبه على الشيء : قهره . هذا كلام هذين الإمامين . وقد شاع في استعمال مصنفي الفقهاء قولهم : غصب منه ثوبا ، فيعدّونه بمن ، والمعروف في اللغة ما قدمناه : غصبه ثوبا ، معدّى بنفسه . وقد أنكر بعض فضلاء زماننا هذا الاستعمال على الفقهاء ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 881 ) ، ومسلم ( 850 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 345 ) ، وابن ماجة ( 1087 ) ، والترمذي ( 496 ) ، والنسائي ( 1381 ) .